الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الأول - صفحة 99-596 الجزء

الصفحة التالية
الآيات ( البقره 58 : 59 ) 

 تعالى لائما لهم على نكولهم عن الجهاد ودخولهم الأرض المقدسة لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى عليه السلام فأمروا بدخول الارض المقدسة التي هي ميراث لهم عن أبيهم إسرائيل وقتال من فيها من العماليق الكفرة فنكلوا عن قتالهم وضعفوا واستحسروا فرماهم الله في التيه عقوبة لهم كما ذكره تعالى في سورة المائدة ولهذا كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس كما نص على ذلك السدي والربيع بن أنس وقتادة وأبو مسلم الأصفهاني وغير واحد وقد قال الله تعالى حاكيا عن موسى ( يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا ) الآيات وقال آخرون هي أريحا ويحكى عن ابن عباس وعبد الرحمن بن زيد وهذا بعيد لأنها ليست على طريقهم وهم قاصدون بيت المقدس لا أريحاء وأبعد من ذلك قول من ذهب إلى أنها مصر حكاه الرازي في تفسيره والصحيح الأول أنها بيت المقدس وهذا كان لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون عليه السلام وفتحها الله عليهم عشية جمعة وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلا حتى أمكن الفتح ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب باب البلد ( سجدا ) أي شكرا لله تعالى على ما أنعم عليهم من الفتح والنصر ورد عليهم وإنقاذهم من التيه والضلال قال العوفي في تفسيره عن ابن عباس أنه كان يقول في قوله تعالى ( وادخلوا الباب سجدا ) أي ركعا وقال ابن جرير حدثنا محمد بن بشار حدثنا أبو أحمد الزبيري حدثنا سفيان عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله ( وادخلوا الباب سجدا ) قال ركعا من باب صغير ورواه الحاكم ( 2/262 ) من حديث سفيان به ورواه ابن أبي حاتم من حديث سفيان وهو الثوري به وزاد فدخلوا من قبل أستاههم وقال الحسن البصري أمروا أن يسجدوا على وجوههم حال دخولهم واستبعده الرازي وحكي عن بعضهم أن المراد ههنا بالسجود الخضوع لتعذر حمله على حقيقته وقال خصيف قال عكرمة قال ابن عباس كان الباب قبل القبلة وقال ابن عباس ومجاهد والسدي وقتادة والضحاك هو باب الحطة من باب إيلياء بيت المقدس وحكى الرازي عن بعضهم أنه عني بالباب جهة من جهات القبلة وقال خصيف قال عكرمة قال ابن عباس فدخلوا على شق وقال السدي عن أبي سعيد الأزدي عن أبي الكنود عن عبد الله بن مسعود و قيل لهم أدخلوا الباب سجدا فدخلوا مقنعي رؤسهم أي رافعي رؤسهم خلاف ما أمروا وقوله تعالى ( وقولوا حطة ) قال الثوري عن الأعمش عن المنهال عن سعيد بن جبير عن أبي عباس ( وقولوا حطة ) قال مغفرة أستغفروا وروي عن عطاء والحسن وقتادة والربيع بن أنس نحوه وقال الضحاك عن ابن عباس ( وقولوا حطة ) قال قولوا هذا الأمر حق كما قيل لكم وقال عكرمة قولوا لا إله إلا الله وقال الأوزاعي كتب ابن عباس إلى رجل قد سماه فسأله عن قوله تعالى ( وقولوا حطة ) فكتب إليه أن أقر بالذنب وقال الحسن وقتادة أي أحطط عنا خطايانا ( نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين ) وقال هذا جواب الأمر أي إذا فعلتم ما أمرناكم غفرنا لكم الخطيئات وضعفنا لكم الحسنات وحاصل الأمر أنهم أمروا ان يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل والقول وان يعترفوا بذنوبهم ويستغفروا منها والشكر على النعمة عندها والمبادرة إلى ذلك من المحبوب عند الله تعالى كما قال تعالى ( إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا ) فسره بعض الصحابة لكثرة الذكر والإستغفار عند الفتح والنصر وفسره ابن عبس بأنه نعي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أجله فيها وأقره على ذلك عمر رضي الله عنه ولا منافاة بين أن يكون قد أمر بذلك عند ذلك ونعي إليه روحه الكريمة أيضا ولهذا كان عليه الصلاة والسلام يظهر عليه الخضوع جدا عند النصر كما روي أنه كان يوم الفتح فتح مكة داخلا إليها من الثنية العليا وإنه لخاضع لربه حتى


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000