الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الأول - صفحة 85-596 الجزء

الصفحة التالية

عرضا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة يوم القيامة فأما تعليم العلم بأجرة فإن كان في تعين عليه فلا يجوز أن يأخذ عليه أجرا ويجوز أن يتناول من بيت المال ما يقوم به حاله وعياله فإن لم يحصل له منه شيء وقطعه التعليم عن التكسب فهو كما لم يتعين عليه وإذا لم يتعين عليه فإنه يجوز أن يأخذ عليه اجرا عند مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء كما في صحيح البخاري عن أبي سعيد في قصة اللديغ إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله وقوله في قصة المخطوبة زوجتكها بما معك من القرآن فأما حديث عبادة بن الصامت أنه علم رجلا من أهل الصفا شيئا من القرآن فأهدى له قوسا فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن أحببت أن تطوق بقوس من نار فاقبله فتركه رواه أبو داود وروي مثله عن أبي أبن كعب مرفوعا فإن صح إسناده فهو محمول عند كثير من العلماء منهم أبو عمر بن عبد البر على أنه لما علمه الله لم يجز بعد هذا أن يعتاض عن ثواب الله بذلك القوس فأما إذا كان من أول الأمر على التعليم بالإجرة فإنه يصح كما في حديث اللديغ وحديث سهل في المخطوبة والله أعلم وقوله ( وإياي فاتقون ) قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو عمر الدوري حدثنا أبو إسماعيل المؤدب عن عاصم الأحول عن أبي العالية عن طلق بن حبيب قال التقوى أن تعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله وان تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله ومعنى قوله ( وإياي فاتقون ) إنه تعالى يتوعدهم فيما يتعمدونه من كتمان الحق وإظهار خلافه ومخالفتهم الرسول صلوات الله وسلامه عليه

الآيات ( البقره 42 : 43 ) 

يقول تعالى ناهيا لليهود عما كانوا يتعمدونه من تلبيس الحق بالباطل وتمويهه به وكتمانهم للحق وإظهارهم الباطل ( ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ) فنهاهم عن الشيئين معا وأمرهم بإظهار الحق والتصريح به ولهذا قال الضحاك عن ابن عباس ( ولا تلبسوا الحق بالباطل ) لا تخلطوا الحق بالباطل والصدق بالكذب وقال أبو العالية ( ولا تلبسوا الحق بالباطل ) يقول ولا تخلطوا الحق بالباطل وأدوا النصيحة لعباد الله من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ويروى عن سعيد بن جبير والربيع بن أنس نحوه وقال قتادة ( ولا تلبسوا الحق بالباطل ) ولا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإسلام وأنتم تعلمون أن دين الله الإسلام وأن اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله وروي عن الحسن البصري نحو ذلك وقال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس ( وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ) أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به وأنتم تجدونه مكتوبا عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم وروي عن أبي العالية نحو ذلك وقال مجاهد والسدي وقتادة والربيع بن أنس ( وتكتموا الحق ) يعني محمد صلى الله عليه وسلم

 [ قلت ]

 وتكتموا يحتمل أن يكون مجزوما ويحتمل أن يكون منصوبا أي لا تجمعوا بين هذا وهذا كما يقال لا تأكل السمك وتشرب اللبن قال الزمخشري وفي مصحف ابن مسعود وتكتمون الحق أي في حال كتمانكم الحق وأنتم تعلمون حال أيضا ومعناه وأنتم تعلمون الحق ويجوز أن يكون المعنى وأنتم تعلمون ما في ذلك من الضرر العظيم على الناس من إضلالهم عن الهدى المفضي بهم إلى النار إن سلكوا ما تبدونه لهم من الباطل المشوب بنوع من الحق لتروجوه عليهم والبيان الإيضاح وعكسه الكتمان وخلط الحق بالباطل ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأركعوا مع الراكعين ) قال مقاتل قوله تعالى لأهل الكتاب ( وأقيموا الصلاة ) أمرهم أن يصلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ( وآتوا الزكاة ) أمرهم أن يؤتوا الزكاة أي يدفعونها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ( وأركعوا مع الراكعين ) أمرهم أن يركعوا مع الراكعين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقول كونوا معهم ومنهم وقال علي بن طلحة عن ابن عباس يعني بالزكاة طاعة الله والإخلاص وقال وكيع عن أبي جناب عن عكرمة عن ابن عباس في قوله وآتوا الزكاة قال ما يوجب الزكاة قال مئتان فصاعدا وقال مبارك بن فضالة عن الحسن في قوله


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000