الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الأول - صفحة 73-596 الجزء

الصفحة التالية

فمعنى قول الملائكة إذا ( ونحن نسبح بحمدك ) ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهل الشرك بك ( ونقدس لك ) ننسبك إلى ماهو من صفاتك من الطهارة من الأدناس وما اضاف إليك أهل الكفر بك وفي صحيح مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الكلام أفضل قال ما اصطفى الله لملائكته سبحان الله وبحمده وروى البيهقي عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به سمع تسبيحا في السموات العلا سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى ( قال إني اعلم ما لا تعلمون ) قال قتادة فكان في علم الله انه سيكون في تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة وسيأتي عن ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من الصحابة والتابعين أقوال في حكمة قوله تعالى قال ( إني اعلم ما لا تعلمون )

وجوب الخلافة

  وقد استدل القرطبي وغيره بهذه الآية على وجوب نصب الخليفة ليفصل بين الناس فيما اختلفوا فيه ويقطع تنازعهم وينتصر لمظلومهم من ظالمهم ويقيم الحدود ويزجر عن تعاطي الفواحش إلى غير ذلك من الامور المهمة التي لا تمكن إقامتها إلا بالإمام وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب والإمامة تنال بالنص كما يقوله طائفة من أهل السنة في أبي بكر أو بالإيماء إليه كما يقول آخرون منهم او باستخلاف الخليفة آخر بعده كما فعل الصديق بعمر بن الخطاب او بتركه شورى في جماعة صالحين كذلك كما فعله عمر أو باجتماع اهل الحل والعقد على مبايعته أو بمبايعته واحد منهم له فيجب التزامها عند الجمهور وحكى على ذلك إمام الحرمين الإجماع والله اعلم أو بقهر واحد الناس على طاعته فتجب لئلا يؤدي ذلك الشقاق والإختلاف وقد نص عليه الشافعي وهل يجب الإشهاد على عقد الإمامة فيه خلاف فمنهم من قال لا يشترط وقيل بلى ويكفي شاهدان وقال الجبائي يجب أربعة وعاقد ومعقود له كما ترك عمر رضي الله عنه الأمر شورى بين ستة فوقع الامر على عاقد وهو عبد الرحمن بن عوف ومعقود له وهو عثمان واستنبط وجوب الأربعة الشهود من الأربعة الباقين وفي هذا نظر والله أعلم ويجب أن يكون ذكرا حرا بالغا عاقلا مسلما عدلا مجتهدا بصيرا سليم الأعضاء خبيرا بالحروب والآراء قرشيا على الصحيح ولا يشترط الهاشمي ولا المعصوم من الخطأ خلافا للغلاة الروافض ولو فسق الإمام هل ينعزل أم لا فيه خلاف والصحيح أنه لا ينعزل لقوله عليه الصلاة والسلام إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان وهل له أن يعزل نفسه فيه خلاف وقد عزل الحسن بن علي رضي الله عنه نفسه وسلم الأمر إلى معاوية لكن هذا لعذر وقد مدح على ذلك فأما نصب إمامين في الأرض أو أكثر فلا يجوز لقوله عليه الصلاة والسلام من جاءكم وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائنا من كان وهذا قول الجمهور وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد منهم إمام الحرمين وقالت الكرامية يجوز اثنان فاكثر كما كان علي ومعاوية إمامين واجبي الطاعة قالوا وإذا جاز بعث نبيين في وقت واحد وأكثر جاز ذلك في الإمامة لأن النبوة أعلى رتبة بلا خلاف وحكى إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوز نصب إمامين فأكثر إذا تباعدت الأقطار واتسعت الأقاليم بينهما وتردد إمام الحرمين في ذلك قلت وهذا يشبه حال الخلفاء بني العباس بالعراق والفاطميين بمصر والأمويين بالمغرب ولنقرر هذا كله في موضع آخر من كتاب الأحكام إن شاء الله تعالى

  الآيات ( البقره 31 : 33 ) 

هذا مقام ذكر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة بما اختصه من علم أسماء كل شيء دونهم وهذا كان بعد سجودهم له وإنما قدم هذا الفصل على ذاك لمناسبة ما بين هذا المقام وعدم علمهم بحكمة خلق الخليفة حين سألوا عن ذلك


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000