يقول تعالى محتجا على وجوده وقدرته وأنه الخالق المتصرف في عباده ( كيف تكفرون بالله ) أي كيف تجحدون وجوده أو تعبدون معه غيره ( وكنتم أمواتا فأحياكم ) أي وقد كنتم عدما فأخرجكم إلى الوجود كما قال تعالى ( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون ) وقال تعالى ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ) والآيات في هذا كثيرة وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ( قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا ) قال هي التي في البقرة ( وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ) وقال ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس ( كنتم أمواتا فأحياكم ) أمواتا في أصلاب آبائكم لم تكونوا شيئا حتى خلقكم ثم يميتكم موتة الحق ثم يحييكم حين يبعثكم قال وهي مثل قوله تعالى ( أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ) وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى ( ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ) قال كنتم ترابا قبل أن يخلقكم فهذه ميتة ثم أحياكم فخلقكم فهذه حياة ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة أخرى فهذه ميتتان وحياتان فهو كقوله ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ) وهكذا روي عن السدي بسنده عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة وعن أبي العالية والحسن ومجاهد وقتادة وأبي صالح والضحاك وعطاء الخراساني نحو ذلك وقال الثوري عن السدي عن أبي صالح ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون ) قال يحييكم في القبر ثم يميتكم وقال ابن جرير عن يونس عن ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم خلقهم في ظهر آدم ثم أخذ عليهم الميثاق ثم أماتهم ثم خلقهم في الأرحام ثم أماتهم ثم أحياهم يوم القيامة وذلك كقوله تعالى ( قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ) وهذا غريب والذي قبله والصحيح ما تقدم عن ابن مسعود وابن عباس وأولئك الجماعة من التابعين وهو كقوله تعالى ( قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ) كما قال تعالى في الأصنام ( أموات غير أحياء وما يشعرون ) الآية وقال ( وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون )
لما ذكر تعالى دلالة من خلقهم وما يشاهدونه من أنفسهم ذكر دليلا آخر مما يشاهدونه من خلق السموات والأرض فقال ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات ) أي قصد إلى السماء والإستواء ههنا مضمن معنى القصد والإقبال لأنه عدي بإلى ( فسواهن ) أي فخلق السماء سبعا والسماء ههنا اسم جنس فلهذا قال ( فسواهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم ) أي وعلمه محيط بجميع ما خلق كما قال ( ألا يعلم من خلق ) وتفصيل هذه الآية في سورة حم السجدة وهو قوله تعالى ( قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ) ففي هذا دلالة على انه تعالى ابتدأ بخلق الأرض أولا ثم خلق السموات سبعا وهذا شان البناء ان يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك وقد صرح المفسرون بذلك كما سنذكره بعد هذا إن شاء الله فاما قوله تعالى ( أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم ) فقد قيل إن ثم ههنا إنما هي لعطف الخبر على الخبر لا لعطف الفعل على الفعل كما قال الشاعر
قل لمن ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده
وقيل إن الدحي كان بعد خلق السموات والأرض رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وقد قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن
|
[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس] |
|
© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نور - Nooor.com 2000 |