قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة لما ضرب الله هذين المثلين للمنافقين يعني قوله تعالى ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ) وقوله ( أو كصيب من السماء ) الآيات الثلاث قال المنافقون الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال فأنزل الله هذه الآية إلى قوله تعالى ( هم الخاسرون ) وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة لما ذكر الله تعالى العنكبوت والذباب قال المشركون ما بال العنكبوت والذباب يذكران فأنزل الله ( إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها ) وقال سعيد عن قتادة أي إن الله لا يستحي من الحق أن يذكر شيئا مما قل أو كثر وإن الله حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال أهل الضلالة ما أراد من ذكر هذا فأنزل الله ( إن الله لا يستحي ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها )
[ قلت ]
العبارة الأولى عن قتادة فيها إشعار أن هذه الآية مكية وليس كذلك وعبارة رواية سعيد عن قتادة أقرب والله أعلم وروى ابن جريج عن مجاهد نحو هذا الثاني عن قتادة وقال ابن أبي حاتم روي عن الحسن وإسماعيل بن أبي خالد نحو قول السدي وقتادة وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس في هذه الآية قال هذا مثل ضربه الله للدنيا إذ البعوضة تحيا ما جاعت فإذا سمنت ماتت وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب لهم هذا المثل في القرآن إذا امتلأوا من الدنيا ريا أخذهم الله عند ذلك ثم تلا ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء ) هكذا رواه ابن جرير ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر عن الربيع بن أنس عن أبي العالية بنحوه فالله أعلم فهذا اختلافهم في سبب النزول وقد اختار ابن جرير ما حكاه السدي لأنه أمس بالسورة وهو مناسب ومعنى الآية أنه تعالى أخبر أنه لا يستحي أي لا يستنكف وقيل لا يخشى أن يضرب مثلا ما أي مثل كان بأي شيء كان صغيرا كان أو كبيرا وماههنا للتقليل وتكون بعوضة منصوبة على البدل كما تقول لأضربن ضربا ما فيصدق بأدنى شيء أو تكون ما نكرة موصوفة ببعوضة واختار ابن جرير ان ما موصولة وبعوضة معربة بإعرابها قال وذلك سائغ في كلام العرب أنهم يعربون صلة ما ومن بإعرابهما لأنهما يكونان معرفة تارة ونكرة اخرى كما قال حسان بن ثابت
وكفى بنا فضلا على من غيرنا حب النبي محمد إيانا
قال ويجوز ان تكون بعوضة منصوبة بحذف الجار وتقدير الكلام إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا مابين بعوضة إلى مافوقها وهذا الذي اختاره الكسائي والفراء وقرأ الضحاك وإبراهيم بن عبلة بعوضة بالرفع قال ابن جني وتكون صلة لما وحذف العائد كما في قوله ( تماما على الذي أحسن ) أي على الذي هو أحسن وحكى سيبويه ما أنا بالذي قائل لك شيئا أي بالذي هو قائل لك شيئا وقوله تعالى ( فما فوقها ) فيه قولان أحدهما فما دونها في الصغر والحقارة كما إذا وصف لك رجل باللؤم والشح فيقول السامع نعم وهو فوق ذلك يعني فيما وصفت وهذا قول الكسائي وابي عبيد قاله الرازي واكثر المحققين وفي الحديث لو أن الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة لما سقى كافرا منها شربة ماء والثاني فما فوقها لما هو أكبر منها لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة وهذا قول قتادة بن دعامة واختيار ابن جرير فإنه يؤيده ما رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتب له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة فأخبر أنه لا يستصغر شيئا يضرب به مثلا ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة كما لا يستنكف عن خلقها كذلك لا يستنكف من ضرب المثل بها كما ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله ( يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ) وقال ( مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون ) وقال تعالى ( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ومثل كلمة خبيثة كشجرة اجتثت من فوق الأرض مالها
|
[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس] |
|
© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نور - Nooor.com 2000 |