الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الأول - صفحة 53-596 الجزء

الصفحة التالية

قولنا لهم مستهزئون فأخبر تعالى أنه يستهزئ بهم فيظهر لهم من أحكامه في الدنيا يعني من عصمة دمائهم وأموالهم خلاف الذي لهم عنده في الآخرة يعني من العذاب والنكال ثم شرع ابن جرير يوجه هذا القول وينصره لأن المكر والخداع والسخرية على وجه اللعب والعبث منتف عن الله عز وجل بالإجماع وأما على وجه الإنتقام والمقابلة بالعدل والمجازاة فلا يمتنع ذلك قال وبنحو ما قلنا فيه روي الخبر عن ابن عباس حدثنا أبو كريب حدثنا عثمان حدثنا بشر عن أبي روق عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى ( الله يستهزئ بهم ) فقال يسخر بهم للنقمة منهم وقوله تعالى ( ويمدهم في طغيانهم يعمهون ) قال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يمدهم يملي لهم وقال مجاهد يزيدهم وقال تعالى ( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) وقال ( سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ) قال بعضهم كلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم نعمة وهي في الحقيقة نقمة وقال تعالى ( فلما نسوا ماذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ) قال ابن جرير والصواب نزيدهم على وجه الإملاء والترك لهم في عتوهم وتمردهم كما قال تعالى ( ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ) والطغيان هو المجاوزة في الشيء كما قال تعالى ( إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية ) وقال الضحاك عن ابن عباس في طغيانهم يعمهون في كفرهم يترددون وكذا فسره السدي بسنده عن الصحابة وبه يقول أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس ومجاهد وأبو مالك وعبد الرحمن بن زيد في كفرهم وضلالتهم قال ابن جرير والعمه الضلال يقال عمه فلان يعمه عمها وعموها إذا ضل قال وقوله في طغيانهم يعمهون في ضلالتهم وكفرهم الذي غمرهم دنسه وعلاهم رجسه يترددون حيارى ضلالا لا يجدون إلى المخرج منه سبيلا لأن الله قد طبع على قلوبهم وختم عليها وأعمى أبصارهم عن الهدى وأغشاها فلا يبصرون رشدا ولا يهتدون سبيلا وقال بعضهم العمى في العين والعمه في القلب وقد يستعمل العمى في القلب أيضا قال الله تعالى ( فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) وتقول عمه الرجل يعمه عموها فهو عمه وعامه وجمعه عمه وذهبت إبله العمهاء اذا لم يدر أين ذهبت

الآيات ( البقره 16 ) 

قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) قال أخذوا الضلالة وتركوا الهدى وقال ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) أي الكفر بالإيمان وقال مجاهد آمنوا ثم كفروا وقال قتادة استحبوا الضلالة على الهدى وهذا الذي قاله قتادة يشبهه في المعنى قوله تعالى في ثمود ( وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى ) وحاصل قول المفسرين فيما تقدم أن المنافقين عدلوا عن الهدى إلى الضلال واعتاضوا عن الهدى بالضلالة وهو معنى قوله تعالى ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) أي بذلوا الهدى ثمنا للضلالة وسواء في ذلك من كان منهم قد حصل له الإيمان ثم رجع عنه إلى الكفر كما قال تعالى فيهم ( ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم ) أو أنهم استحبوا الضلالة على الهدى كما يكون حال فريق آخر منهم فإنهم أنواع وأقسام ولهذا قال تعالى ( فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ) أي ما ربحت صفقتهم في هذه البيعة وما كانوا مهتدين أي راشدين في صنيعهم ذلك وقال ابن جرير حدثنا بشير حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة ( فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ) قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة ومن الجماعة إلى الفرقة ومن الأمن إلى الخوف ومن السنة إلى البدعة وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة بمثله سواء 

الآيات ( البقره 17 : 18 ) 


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000