الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الأول - صفحة 509-596 الجزء

الصفحة التالية

في العقوبة والنكال وهذا مثل ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق وردهم إلى الباطل ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبيل الضلالة يهرعون ويمشون القهقري على أدبارهم وهذا كما قال بعضهم في قوله ( إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون وجعلنا من بين أيديهم سدا ) أي هذا مثل سوء ضربه الله لهم في ضلالهم ومنعهم عن الهدى \قال مجاهد من قبل أن نطمس وجوها يقول عن صراط الحق فنردها على أدبارها أي في الضلال قال ابن أبي حاتم وروى عن ابن عباس والحسن نحو هذا قال السدي فنردها على أدبارها فنمنعها عن الحق قال نرجعها كفارا ونردهم قردة قال أبو زيد فردهم إلى بلاد الشام من أرض الحجاز وقد ذكر أن كعب الأحبار أسلم حين سمع هذه الآية قال ابن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا جابر بن نوح عن عيسى بن المغيرة قال تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب فقال أسلم كعب زمان عمر أقبل وهو يريد بيت المقدس فمر على المدينة فخرج إليه عمر فقال يا كعب أسلم فقال ألستم تقولون في كتابكم ( مثل الذين حملوا التوراة ) إلى ( أسفارا ) وأنا قد حملت التوراة قال فتركه عمر ثم خرج حتى إنتهى إلى حمص فسمع رجلا من أهلها حزينا وهو يقول ( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها ) الآية قال كعب يارب أسلمت مخافة أن تصيبه هذه الآية ثم رجع فأتى أهله في اليمن ثم جاء بهم مسلمين وكذا رواه ابن أبي حاتم بلفظ آخر من وجه آخر فقال حدثنا أبي حدثنا ابن نفيل حدثنا عمرو بن واقد عن يونس بن حلبس عن أبي إدريس عائذ الله الخولاني قال كان أبو مسلم الجليلي معلم كعب وكان يلومه في إبطائه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فبعثه إليه ينظر أهو هو قال كعب فركبت حتى أتيت المدينة فإذا تال يقرأ القرآن يقول ( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها ) فبادرت الماء فاغتسلت وإني لأمس وجهي مخافة أن أطمس ثم أسلمت وقوله ( أو نعلنهم كما لعنا أصحاب السبت ) يعني الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة على الإصطياد وقد مسخوا قردة وخنازير وسيأتي بسط قصتهم في سورة الأعراف قوله ( وكان أمر الله مفعولا ) أي إذا أمر بأمر فإنه لا يخالف ولا يمانع ثم أخبر تعالى أنه لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به ويغفر ما دون ذلك أي من الذنوب لمن يشاء أي من عباده

عاقبة الشرك بالله

  وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة فلنذكر منها ما تيسر

 [ الحديث الأول

قال الإمام أحمد ( 6/240 ) حدثنا يزيد بن هارون حدثنا صدقة بن موسى حدثنا أبو عمران الجوني عن يزيد بن بابنوس عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدواوين عند الله ثلاثة ديوان لا يعبأ الله به شيئا وديوان لا يترك الله منه شيئا وديوان لا يغفره الله فأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك بالله قال الله عز وجل ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) الآية وقال ( إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ) وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين الله من صوم يوم تركه أو صلاة فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا فظلم العباد بعضهم بعضا القصاص لا محالة تفرد به أحمد 

[ الحديث الثاني

قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده ( 3439 ) حدثنا أحمد بن مالك حدثنا زائدة بن أبي الرقاد النمري عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الظلم ثلاثة فظلم لا يغفره الله وظلم يغفره الله وظلم لا يترك الله منه شيئا فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك وقال ( إن الشرك لظلم عظيم ) وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم وأما الظلم الذي لا يتركه فظلم العباد بعضهم بعضا حتى يدين لبعضهم من بعض 

[ الحديث الثالث ]

 قال الإمام أحمد ( 6/99 ) حدثنا صفوان بن عيسى حدثنا ثور بن يزيد عن أبي عون عن أبي إدريس قال سمعت معاوية يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا ورواه النسائي ( 7/81 ) عن محمد بن مثنى عن صفوان بن عيسى به 

[ الحديث الرابع

قال الإمام أحمد ( 5/154 ) حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا عبد الحميد حدثنا شهر حدثنا ابن غنم أن أبا ذر حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله يقول يا عبدي ما عبدتني ورجوتني فإني غافر لك على ما كان منك يا عبدي إنك إن لقيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لقيتك بقرابها مغفرة تفرد به أحمد من هذا


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000