الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الأول - صفحة 44-596 الجزء

الصفحة التالية

 تقول بنتي وقد قربت مرتحلا يارب جنب أبي الأوصاب والوجعا 

  عليك مثل الذي صليت فاغتمضي نوما فإن لجنب المرء مضطجعا

  يقول عليك من الدعاء مثل الذي دعيته لي وهذا ظاهر ثم استعملت الصلاة في الشرع في ذات الركوع والسجود والأفعال المخصوصة في الأوقات المخصوصة بشروطها المعروفة وصفاتها وأنواعها المشهورة قال ابن جرير وأرى أن الصلاة سميت صلاة لأن المصلي يتعرض لاستنتاج طلبته من ثواب الله بعمله مع ما يسأل ربه من حاجاته وقيل هي مشتقة من الصلوين إذا تحركا في الصلاة عند الركوع والسجود وهما عرقان يمتدان من الظهر حتى يكتنفان عجب الذنب ومنه سمي المصلي وهو التالي للسابق في حلبة الخيل وفيه نظر وقيل هي مشتقة من الصلى وهو الملازمة للشيء من قوله تعالى ( لا يصلاها ) أي لا يلزمها ويدوم فيها ( إلا الأشقى ) وقيل مشتقة من تصلية الخشبة في النار لتقوم كما أن المصلى يقوم عوجه بالصلاة ( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر ) واشتقاقها من الدعاء أصح وأشهر والله أعلم وأما الزكاة فسيأتي الكلام عليها في موضعه إن شاء الله تعالى 

الآيات ( البقره 4 )

  قال ابن عباس والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك أي يصدقون بما جئت به من الله وما جاء به من قبلك من المرسلين لا يفرقون بينهم ولا يجحدون ماجاءهم به من ربهم وبالآخرة هم يوقنون أي بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان وإنما سميت الآخرة لأنها بعد الدنيا وقد اختلف المفسرون في الموصوفين هنا هل هم الموصوفون بما قدم من قوله تعالى ( الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) ومن هم على ثلاثة أقوال حكاها ابن جرير 

[ أحدها

أن الموصوفين أولا هم الموصوفون ثانيا وهم كل مؤمن مؤمنو العرب ومؤمنو أهل الكتاب وغيرهم قال مجاهد وأبو العالية والربيع بن أنس وقتادة

 [ والثاني

هما واحد وهم مؤمنو أهل الكتاب وعلى هذين تكون الواو عاطفة صفات على صفات كما قال تعالى ( سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى ) وكما قال الشاعر

  إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم 

فعطف الصفات بعضها على بعض والموصوف واحد

 [ والثالث

أن الموصوفين أولا مؤمنو العرب والموصوفون ثانيا بقوله ( والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون ) لمؤمني أهل الكتاب نقله السدي في تفسيره عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة واختاره ابن جرير رحمه الله ويستشهد لما قال بقوله تعالى ( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله ) الآية وبقوله تعالى ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون ) وبما ثبت في الصحيحين ( خ 97 م 154 ) من حديث الشعبي عن أبي بردة عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بي ورجل مملوك أدى حق الله وحق مواليه ورجل أدب جاريته فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها وأما ابن جرير فما استشهد على صحة ما قال إلا بمناسبة وهي أن الله وصف في أول هذه السورة المؤمنين والكافرين فكما انه صنف الكافرين إلى صنفين كافر ومنافق فكذلك المؤمنون صنفهم إلى صنفين عربي وكتابي 

[ قلت

والظاهر قول مجاهد فيما رواه الثوري عن رجل عن مجاهد ورواه غير واحد عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال أربع كلمات من أول سورة البقرة في نعت المؤمنين وآيتان في نعت الكافرين وثلاثة عشر في المنافقين فهذه الآيات الأربع عامات في كل مؤمن اتصف بها من عربي وعجمي وكتابي من إنسي وجني وليس تصح واحدة من هذه الصفات بدون الأخرى


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000