الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الأول - صفحة 439-596 الجزء

الصفحة التالية

فقالوا كيف كان عيسى قالوا كان يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا أدع الله أن يجعل لنا الصفا ذهبا فدعا ربه فنزلت هذه الآية ( إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ) فليتفكروا فيها وهذا مشكل فإن هذه الآية مدنية وسؤالهم أن يكون الصفا ذهبا كان بمكة والله أعلم ومعنى الآية أن الله تعالى يقول ( إن في خلق السموات والأرض ) أي هذه في إرتفاعها وإتساعها وهذه في إنخفاضها وكثافتها واتضاعها وما فيهما من الآيات المشاهدة العظيمة من كواكب سيارات وثوابت وبحار وجبال وقفار وأشجار ونبات وزروع وثمار وحيوان ومعادن ومنافع مختلفة الألوان والطعوم والروائح والخواص ( واختلاف الليل والنهار ) أي تعاقبهما وتقارضهما الطول والقصر فتارة يطول هذا ويقصر هذا ثم يعتدلان ثم يأخذ هذا من هذا فيطول الذي كان قصيرا ويقصر الذي كان طويلا وكل ذلك تقدير العزيز العليم ولهذا قال تعالى ( لآيات لأولي الألباب ) أي العقول التامة الزكية التي تدرك الأشياء بحقائقها على جلياتها وليسوا كالصم البكم الذين لا يعقلون الذين لا يعقلون الذين قال الله فيهم ( وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) ثم وصف تعالى أولي الألباب فقال ( الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ) كما ثبت في صحيح البخاري ( 1117 ) عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب أي لا يقطعون ذكره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم ( ويتفكرون في خلق السموات والأرض ) أي يفهمون ما فيهما من الحكم الدالة على عظمة الخالق وقدرته وحكمته وإختياره ورحمته وقال الشيخ أبو سليمان الداراني إني لأخرج من منزلي فما يقع بصري على شيء إلا رايت لله علي فيه نعمة ولي فيه عبرة رواه ابن أبي الدنيا في كتاب التوكل والإعتبار وعن الحسن البصري أنه قال تفكر ساعة خير من قيام ليلة وقال الفضيل قال الحسن الفكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك وقال سفيان بن عيينة الفكر نور يدخل قلبك وربما تمثل بهذا البيت

 إذا المرء كانت له فكرة ففي كل شيء له عبرة

  وعن عيسى عليه السلام أنه قال طوبى لمن كان قيله تذكرا وصمته تفكرا ونظره عبرا قال لقمان الحكيم إن طول الوحدة ألهم للفكرة وطول الفكرة دليل على طرق باب الجنة قال وهب بن منبه ما طالت فكرة أمرئ قط إلا فهم ولا فهم أمرؤ قط إلا علم ولا علم أمرؤ قط إلا عمل وقال عمر بن عبد العزيز الكلام بذكر الله عز وجل حسن والفكرة في نعم الله أفضل العبادة وقال مغيث الأسود زوروا القبور كل يوم تفكركم وشاهدوا الموقف بقلوبكم وأنظروا إلى المنصرف بالفريقين إلى الجنة أوالنار وأشعروا قلوبكم وأبدانكم ذكر النار ومقامعها وأطباقها وكان يبكي عند ذلك حتى يرفع صريعا من بين أصحابه قد ذهبت عقله وقال عبد الله بن المبارك مر رجل براهب عند مقبرة ومزبلة فناداه فقال يا راهب إن عندك كنزين من كنوز الدنيا لك فيهما معتبر كنز الرجال وكنز الأموال وعن ابن عمر أنه كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة فيقف على بابها فينادي بصوت حزين فيقول أين أهلك ثم يرجع إلى نفسه فيقول ( كل شيء هالك إلا وجهه ) وعن ابن عباس أنه قال ركعتان مقتصدتان في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساه وقال الحسن البصري يا ابن آدم كل في ثلث بطنك واشرب في ثلثه ودع ثلثه الآخر تتنفس للفكرة وقال بعض الحكماء من نظر إلى الدنيا بغير العبرة إنطمس من بصر قلبه بقدر تلك الغفلة وقال بشر بن الحارث الحافي لو تفكر الناس في عظمة الله تعالى لما عصوه وقال الحسن عن عامر بن عبد قيس قال سمعت غير واحد ولا إثنين ولا ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون إن ضياء الإيمان أو نور الإيمان التفكر وعن عيسى عليه السلام أنه قال يا ابن آدم الضعيف أتق الله حيث ما كنت وكن في الدنيا ضيفا وأتخذ المساجد بيتا وعلم عينيك البكاء وجسدك الصبر وقلبك الفكر ولا تهتم برزق غد وعن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه بكى يوما بين أصحابه فسئل عن ذلك فقال فكرت في الدنيا ولذاتها وشهواتها فأعتبرت منها بها ما تكاد شهواتها تنقضي حتى تكدرها مرارتها ولئن لم يكن فيها عبرة لمن إعتبر إن فيها مواعظ لمن إدكر وقال ابن أبي الدنيا أنشدني الحسين ابن عبد الرحمن


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000