الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الأول - صفحة 40-596 الجزء

الصفحة التالية

كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحا أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها وذلك يبلغ منه جملة كثيرة وإن حسبت مع التكرر فأطم وأعظم والله أعلم

الآيات ( البقره 2 ) 

قال ابن جريج قال ابن عباس ( ذلك الكتاب ) أي هذا الكتاب وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي ومقاتل بن حيان وزيد بن أسلم وابن جريج أن ذلك بمعنى هذا والعرب تعارض بين اسمي الإشارة فيستعملون كلا منهما مكان الآخر وهذا معروف في كلامهم وقد حكاه البخاري عن معمر بن المثنى عن أبي عبيدة وقال الزمخشري ذلك إشارة إلى ( الم ) كما قال تعالى ( لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك ) وقال تعالى ( ذلكم حكم الله يحكم بينكم ) وقال ( ذلكم الله ) وأمثال ذلك مما أشير به إلى ما تقدم ذكره والله أعلم وقد ذهب بعض المفسرين فيما حكاه القرطبي وغيره أن ذلك إشارة إلى القرآن الذي وعد الرسول صلى الله عليه وسلم بإنزاله عليه أو التوراة أو الإنجيل أو نحو ذلك في أقوال عشرة وقد ضعف هذا المذهب كثيرون والله أعلم و ( الكتاب ) القرآن ومن قال إن المراد بذلك الكتاب الإشارة إلى التوراة والانجيل كما حكاه ابن جرير وغيره فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع وتكلف ما لا علم له به والريب الشك قال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا ريب فيه ) لاشك فيه وقال أبو الدرداء وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو مالك ونافع مولى ابن عمر وعطاء وأبو العالية والربيع بن أنس ومقاتل بن حيان والسدي وقتادة وإسماعيل بن أبي خالد وقال ابن أبي حاتم لا أعلم في هذا خلافا وقد يستعمل الريب في التهمة قال جميل

  بثينة قالت ياجميل أربتني فقلت كلانا يابثين مريب 

 واستعمل أيضا في الحاجة كما قال بعضهم

  قضينا من تهامة كل ريب وخيبر ثم أجممنا السيوفا 

ومعنى الكلام هنا أن هذا الكتاب هو القرآن لا شك فيه أنه نزل من عند الله كما قال تعالى في السجدة ( الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ) وقال بعضهم هذا خبر ومعناه النهي أي لا ترتابوا فيه ومن القراء من يقف على قوله تعالى ( لا ريب ) ويبتدئ بقوله تعالى ( فيه هدى للمتقين ) والوقف على قوله تعالى ( لا ريب فيه ) أولى للآية التي ذكرناها ولأنه يصير قوله تعالى ( هدى ) صفة للقرآن وذلك أبلغ من كون فيه هدى وهدى يحتمل من حيث العربية أن يكون مرفوعا على النعت ومنصوبا على الحال وخصت الهداية للمتقين كما قال ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد ) ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا ) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اختصاص المؤمنين بالنفع بالقرآن لأنه هو في نفسه هدى ولكن لا يناله إلا الأبرار كما قال تعالى ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ) وقد قال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ( هدى للمتقين ) يعني نورا للمتقين وقال الشعبلي هدى من الضلالة وقال سعيد بن جبير تبيان للمتقين وكل ذلك صحيح وقد قال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ( هدى للمتقين ) قال هم المؤمنون وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرن أو سعيد بن جبير عن ابن عباس ( للمتقين ) أي الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به وقال أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس قال هدى للمتقين قال هم المؤمنون الذين يتقون الشرك بي ويعملون بطاعتي وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس ( للمتقين ) قال الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى ويرجون رحمته في التصديق بما جاء به وقال سفيان الثوري عن رجل عن الحسن البصري قوله تعالى للمتقين قال اتقوا ماحرم الله عليهم وأدوا ما افترض عليهم وقال أبو بكر بن عياش سألني الأعمش عن المتقين قال فأجبته فقال لي سل عنها الكلبي فسألته فقال الذين يجتنبون كبائر الاثم قال فرجعت إلى الأعمش فقال يرى أنه كذلك ولم ينكره وقال قتادة للمتقين هم الذين نعتهم الله بقوله ( الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة )


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000