الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الأول - صفحة 39-596 الجزء

الصفحة التالية

وآل عمران مدنيتان ليستا خطابا للمشركين فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه وقال آخرون بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا وقرره الزمخشري في كشافه ونصره أتم نصر وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية قال الزمخشري ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت كما كررت قصص كثيرة وكرر التحدي بالصريح في أماكن قال وجاء منها على حرف واحد كقوله ص ن ق وحرفين مثل ( حم ) وثلاثة مثل ( الم ) وأربعة مثل ( المر ) و ( المص ) وخمسة مثل ( كهعيص ) و ( حمعسق ) لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات ماهو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك

[ قلت ]

 ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الإنتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته وهذا معلوم بالإستقراء وهو الواقع في تسع وعشرين سورة ولهذا يقول تعالى ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) ( الم الله لاإله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه ) ( المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه ) ( الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور باذن ربهم ) ( الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين ) ( حم تنزيل من الرحمن الرحيم ) ( حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم ) وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر والله أعلم وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم فقد ادعى ماليس له وطار في غير مطاره وقد ورد في ذلك حديث ضعيف وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته وهو ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله بن رئاب قال مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من اليهود فقال تعلمون والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله تعالى عليه ( الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ) فقال أنت سمعته قال نعم قال فمشى حيي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك ( الم ذلك الكتاب ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بلى فقالوا جاءك بهذا جبريل من عند الله فقال نعم قالوا لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك فقام حيي بن أخطب وأقبل على من كان معه فقال لهم الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد هل مع هذا غيره فقال نعم قال ماذاك قال المص قال هذا أثقل وأطول الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون فهذه إحدى وثلاثون ومئة سنة هل مع هذا يامحمد غيره قال نعم قال ماذاك قال الر قال هذا أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مئتان فهذه إحدى وثلاثون ومئتا سنة فهل مع هذا يامحمد غيره قال نعم قال ماذا قال المر قال هذا أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مئتان فهذه إحدى وسبعون ومئتان ثم قال لقد لبس علينا أمرك يامحمد حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا ثم قال قوموا عنه ثم قال أبو ياسر لأخيه حيي بن أخطب ولمن معه من الأحبار ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون واحدى وثلاثون ومئة وإحدى وثلاثون ومئتان وإحدى وسبعون ومئتان فذلك سبعمئة وأربع سنين فقالوا لقد تشابه علينا أمره فيزعمون ان هؤلاء الآيات نزلت فيهم ( هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات ) فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن لا يحتج بما انفرد به ثم


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000