من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ) أي نحضرهم في حال المباهلة ( ثم نبتهل ) أي نلتعن ( فنجعل لعنة الله على الكاذبين ) أي منا ومنكم
وكان سبب نزول المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران أن النصارى لما قدموا فجعلوا يحاجون في عيسى ويزعمون فيه ما يزعمون من النبوة والإلهية فأنزل الله صدر هذه السورة ردا عليهم كما ذكره الإمام محمد بن إسحاق بن يسار وغيره قال ابن إسحاق في سيرته المشهورة ( 2/254 ) وغيره وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نصارى نجران ستون راكبا فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم يؤول أمرهم إليهم وهم العاقب وأسمه عبد المسيح والسيد وهو الأيهم وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل وأويس بن الحارث وزيد وقيس ويزيد وابنيه وخويلد وعمرو وخالد وعبد الله ويحنس وأمر هؤلاء يؤول إلى ثلاثة منهم وهم العاقب وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب مشورتهم والذي لا يصدرون إلا عن رأيه والسيد وكان عالمهم وصاحب رحلهم ومجتمعهم وأبو حارثة بن علقمة وكان أسقفهم صاحب مدارستهم وكان رجلا من العرب من بني بكر بن وائل ولكنه تنصر فعظمته الروم وملوكها وشرفوه وبنوا له الكنائس وأخدموه لما يعلمونه من صلابته في دينهم وقد كان يعرف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفته وشأنه مما علمه من الكتب المتقدمة ولكن حمله ذلك على الإستمرار في النصرانية لما يرى من تعظيمه فيها وجاهه عند أهلها قال ابن إسحاق ( 2/256 ) وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال قدموا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم المدينة فدخلوا عليه في مسجده حين صلى العصر عليهم ثياب الحبرات جبب وأردية من جمال رجال بني الحارث بن كعب قال يقول من رآهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ما رأينا بعدهم وفد مثلهم وقد حانت صلاتهم فقاموا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوهم فصلوا إلى المشرق قال ( 2/257 ) فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم أبو حارثة بن علقمة والعاقب عبد المسيح والسيد الأيهم وهم من النصرانية على دين الملك مع اختلاف أمرهم يقولون هو الله ويقولون هو ولد الله ويقولون هو ثالث ثلاثة تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا وكذلك النصرانية فهم يحتجون في قولهم هو الله بأنه كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص والأسقام ويخبر بالغيوب ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا وذلك كله بأمر الله وليجعله الله آية للناس ويحتجون في قولهم بأنه ابن الله يقولون لم يكن له أب يعلم وقد تكلم في المهد بشيء لم يصنعه أحد من بني آدم قبله ويحتجون على قولهم بأنه ثالث ثلاثة يقول الله تعالى فعلنا وأمرنا وخلقنا وقضينا فيقولون لو كان واحدا ما قال إلا فعلت وأمرت وقضيت وخلقت ولكنه هو وعيسى ومريم تعالى الله وتقدس وتنزه عما يقول الظالمون والجاهلون علوا كبيرا وفي كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن فلما كلمه الحبران قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلما قالا قد أسلمنا قال إنكما لم تسلما فأسلما قالا بلى قد اسلمنا قبلك قال كذبتما يمنعكما من الإسلام ادعاؤكما لله ولدا وعبادتكما الصليب وأكلكما الخنزير قالا فمن أبوه يا محمد فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما فلم يجبهما فأنزل الله في ذلك من قولهم وإختلاف أمرهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها ثم تكلم ابن إسحاق على تفسيرها إلى أن قال فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الله والفصل من القضاء بينه وبينهم وأمر بما أمر به من ملاعنتهم أن ردوا ذلك عليه دعاءهم إلى ذلك فقالوا يا أبا القاسم دعنا ننظر في أمرنا ثم نأتيك بما نريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه ثم أنصرفوا عنه ثم خلوا بالعاقب وكان ذا رأيهم فقالوا يا عبد المسيح ماذا ترى فقال والله يا معشر النصارى لقد عرفتم إن محمدا لنبي مرسل ولقد جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم ولقد علمتم أنه مالاعن قوم نبيا قط فبقى كبيرهم ولا نبت صغيرهم وإنه الإستئصال منكم إن فعلتم فإن كنتم أبيتم إلا ألف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم فوادعوا الرجل وأنصرفوا إلى بلادكم فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا أبا القاسم قد رأينا أن لا نلاعنك ونتركك على دينك ونرجع على ديننا ولكن أبعث معنا رجلا من أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء أختلفنا فيها في أموالنا فإنكم عندنا رضا قال محمد بن جعفر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أئتوني العشية
|
[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس] |
|
© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نور - Nooor.com 2000 |