عليهم والعامل أنعمت عليهم ممن تقدم وصفهم ونعتهم وهم أهل الهداية والإستقامة والطاعة لله ورسله وامتثال أوامره وترك نواهيه وزواجره غير صراط المغضوب عليهم وهم الذين فسدت إرادتهم فعلموا الحق وعدلوا عنه ولا صراط الضالين وهم الذين فقدوا العلم فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق وأكد الكلام ب لا ليدل على أن ثم مسلكين قاصدين وهما طريقة اليهود والنصارى وقد زعم بعض النحاة أن ( غير ) ههنا استثنائية فيكون على هذا منقطعا لاستثنائهم من المنعم عليهم وليسوا منهم وما أوردناه أولى لقول الشاعر
كأنك من جمال بني أقيش يقعقع عند رجليه بشن
أي كأنك جمل من جمال بني أقيش فحذف الموصوف واكتفى بالصفة وهكذا غير المغضوب عليهم أي غير صراط المغضوب عليهم اكتفى بالمضاف إليه عن ذكر المضاف وقد دل عليه سياق الكلام وهو قوله تعالى ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم ) ثم قال تعالى ( غير المغضوب عليهم ) ومنهم من زعم أن ( لا ) في قوله تعالى ( ولا الضالين ) زائدة وأن تقدير الكلام عنده غير المغضوب عليهم والضالين واستشهد ببيت العجاج
في بئر لا حور سرى وما شعر
أي في بئر حور والصحيح ما قدمناه ولهذا روى أبو عبد القاسم بن سلام في كتاب فضائل القرآن ( ص 162 ) عن أبي معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقرأ ( غير المغضوب عليهم وغير الضالين ) وهذا إسناد صحيح وكذلك حكى عن أبي بن كعب أنه قرأ كذلك وهو محمول على أنه صدر منهما على وجه التفسير فيدل على ما قلناه من أنه إنما جيء بلا لتأكيد النفي لئلا يتوهم أنه معطوف على الذين أنعمت عليهم والفرق بين الطريقتين ليجتنب كل واحد منهما فإن طريقة أهل الإيمان مشتملة على العلم بالحق والعمل به واليهود فقدوا العمل والنصارى فقدوا العلم ولهذا كان الغضب لليهود والضلال للنصارى لأن من علم وترك استحق الغضب بخلاف من لم يعلم والنصارى لما كانوا قاصدين شيئا لكنهم لا يهتدون إلى طريقه لأنهم لم يأتوا الأمر من بابه وهو اتباع الحق وضلوا وكل من اليهود والنصارى ضال مغضوب عليه لكن أخص أوصاف اليهود الغضب كما قال تعالى عنهم ( من لعنه الله وغضب عليه ) وأخص أوصاف النصارى الضلال كما قال تعالى عنهم ( قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ) وبهذا جاءت الأحاديث والآثار وذلك واضح بين فيما قال الإمام أحمد ( 4/378 ) حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال سمعت سماك بن حرب يقول سمعت عباد بن حبيش يحدث عن عدي بن حاتم قال جاءت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوا عمتي وناسا فلما أتوا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوا له فقالت يا رسول الله ناء الوافد وانقطع الولد وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة فمن علي من الله عليك قال من وافدك قالت عدي بن حاتم قال الذي فر من الله ورسوله قالت فمن علي فلما رجع ورجل إلى جنبه ترى أنه علي قال سليه حملانا فسألته فأمر لها قال فأتتني فقالت لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها فإنه أتاه فلان فأصاب منه وأتاه فلان فأصاب منه فأتيته فإذا عنده امرأة وصبيان أو صبي وذكر قربهم من النبي صلى الله عليه وسلم قال فعرفت أنه ليس يملك كسرى ولا قيصر فقال يا عدي ما أفرك أن يقال لا إله إلا الله فهل من إله إلا الله ما أفرك أن يقال الله أكبر فهل شيء أكبر من الله عز وجل قال فأسلمت فرأيت وجهه استبشر وقال إن المغضوب عليهم اليهود وإن الضالين النصارى وذكر الحديث ورواه الترمذي ( 2953 ) من حديث سماك بن حرب وقال حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه
[ قلت ]
وقد رواه حماد بن سلمة عن سماك عن مري بن قطري عن عدي بن حاتم قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى ( غير المغضوب عليهم ) قال هم اليهود ( ولا الضالين ) قال النصارى هم الضالون وهكذا رواه سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عدي بن حاتم به وقد روي حديث عدي هذا من طرق وله ألفاظ كثيرة يطول ذكرها وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن بديل العقيلي أخبرني عبد الله بن شقيق أنه أخبره من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بوادي القرى وهو على فرسه وسأله رجل من بني القين فقال يا رسول الله من هؤلاء قال المغضوب عليهم وأشار إلى اليهود والضالون هم النصارى وقد رواه الجريري
|
[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس] |
|
© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نور - Nooor.com 2000 |