في الدنيا والآخرة وإنما أضيف إلى يوم الدين لأنه لا يدعي أحد هنالك شيئا ولا يتكلم أحد إلا بإذنه كما قال تعالى ( يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا ) وقال تعالى ( وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا ) وقال تعالى ( يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد ) وقال الضحاك عن ابن عباس ( مالك يوم الدين ) يقول لا يملك أحد في ذلك اليوم حكما كملكهم في الدنيا قال ويوم الدين يوم الحساب للخلائق وهو يوم القيامة يدينهم بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر إلا من عفا عنه وكذلك قال غيره من الصحابة والتابعين والسلف وهو ظاهر وحكى ابن جرير عن بعضهم أنه ذهب إلى تفسير مالك يوم الدين أنه القادر على إقامته ثم شرع يضعفه والظاهر أنه لا منافاة بين هذا القول وما تقدم وأن كلا من القائلين هذا القول وبما قبله يعترف بصحة القول الآخر ولا ينكره ولكن السياق أدل على المعنى الأول من هذا كما قال تعالى ( الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا ) والقول الثاني يشبه قوله تعالى ( ويوم يقول كن فيكون ) والله أعلم والملك في الحقيقة هو الله عز وجل قال الله تعالى ( هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام ) وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضى الله عنه مرفوعا أخنع اسم عند الله رجل تسمى بملك الأملاك ولا ملك إلا الله وفيهما عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض أين الجبارون أين المتكبرون وفي القرآن العظيم ( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) فأما تسمية غيره في الدنيا بملك فعلى سبيل المجاز كما قال تعالى ( إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ) ( وكان وراءهم ملك ) ( إذ جعل فيكم أنبياء وجعلهم ملوكا ) وفي الصحيحين مثل الملوك على الأسرة والدين الجزاء والحساب كما قال تعالى ( يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ) وقال ( أئنا لمدينون ) أي مجزيون محاسبون وفي الحديث الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت أي حساب نفسه لنفسه كما قال عمر رضي الله عنه حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا وتأهبوا للعرض الأكبر على من لا تخفى عليه أعمالكم ( يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافيه )
قرأ السبعة والجمهور بتشديد الياء من إياك وقرأ عمرو بن فايد بتخفيفها مع الكسر وهي قراءة شاذة مردودة لأن إيا ضوء الشمس وقرأ بعضهم أياك بفتح الهمزة وتشديد الياء وقرأ بعضهم هياك بالهاء بدل الهمزة كما قال الشاعر
فهياك والأمر الذي إن تراحبت موارده ضاقت عليك مصادره
ونستعين بفتح النون أول الكلمة في قراءة الجميع سوى يحيى بن وثاب والأعمش فإنهما كسراها وهي لغة بني أسد وربيعة وبني تميم والعبادة في اللغة من الذلة يقال طريق معبد وبعير معبد أي مذلل وفي الشرع عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف وقدم المفعول وهو إياك وكرر للإهتمام والحصر أي لا نعبد إلا إياك ولا نتوكل إلا عليك وهذا هو كمال الطاعة والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين وهذا كما قال بعض السلف الفاتحة سر القرآن وسرها هذه الكلمة ( إياك نعبد وإياك نستعين ) فالأول تبرؤ من الشرك والثاني تبرؤ من الحول والقوة والتفويض إلى الله عز وجل وهذا المعنى في غير آية من القرآن كما قال تعالى ( فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون ) ( قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا ) ( رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا ) وكذلك هذه الآية الكريمة ( إياك نعبد وإياك نستعين ) وتحول الكلام من الغيبة إلى المواجهة بكاف الخطاب وهو مناسبة لأنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى فلهذا قال ( إياك نعبد وإياك نستعين ) وفي هذا دليل على أن أول السورة خبر من الله تعالى بالثناء على نفسه الكريمة بجميل صفاته الحسنى وإرشاد لعباده بأن يثنوا عليه بذلك ولهذا لا تصح صلاة من لم يقل ذلك وهو قادر عليه كما جاء في الصحيحين ( خ 756 م 394 ) عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب
|
[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس] |
|
© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نور - Nooor.com 2000 |