الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الأول - صفحة 156-596 الجزء

الصفحة التالية

في الرهبان كما سيأتي وأما إن كان العمل موافقا للشريعة في الصورة الظاهرة ولكن لم يخلص عامله القصد لله فهو أيضا مردود على فاعله وهذا حال المرائين والمنافقين كما قال تعالى ( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولايذكرون الله إلا قليلا ) وقال تعالى ( فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الذين هم يراءون ويمنعون الماعون ) ولهذا قال تعالى ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولايشرك بعبادة ربه أحدا ) وقال في هذه الآية الكريمة ( بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن ) وقوله ( فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ضمن لهم تعالى على ذلك تحصيل الأجور وآمنهم مما يخافونه من المحذور ( فلا خوف عليهم ) فيما يستقبلونه ( ولا هم يحزنون ) على ما مضى مما يتركونه كما قال سعيد بن جبير ( فلا خوف عليهم ) يعني في الآخرة ( ولا هم يحزنون ) يعني لا يحزنون للموت وقوله تعالى ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب ) بين به تعالى تناقضهم وتباغضهم وتعاديهم وتعاندهم كما قال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله صلى الله عليه وسلم أتتهم أحبار يهود فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رافع بن حرملة ما أنتم على شيء وكفر بعيسى وبالإنجيل وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود ما أنتم على شيء وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة فأنزل الله في ذلك من قولهما ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب ) قال إن كلا يتلو في كتابه تصديق من كفر به أن يكفر اليهود بعيسى وعندهم التوراة فيها ما أخذ الله عليهم على لسان موسى بالتصديق بعيسى وفي الإنجيل ما جاء به عيسى بتصديق موسى وما جاء من التوراة من عند الله وكل يكفر بما في يد صاحبه وقال مجاهد في تفسير هذه الآية قد كانت أوائل اليهود والنصارى على شيء وقال قتادة ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ) قال بلى قد كانت أوائل النصارى على شيء ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا ( وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ) قال بلى قد كانت أوائل اليهود على شيء ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا وعنه رواية أخرى كقول أبي العالية والربيع بن أنس في تفسير هذه الآية ( وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ) هؤلاء أهل الكتاب الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا القول يقتضي أن كلا من الطائفتين صدقت فيما رمت به الطائفة الأخرى ولكن ظاهر سياق الآية يقتضي ذمهم فيما قالوه مع علمهم بخلاف ذلك ولهذا قال تعالى ( وهم يتلون الكتاب ) أي وهم يعلمون شريعة التوراة والإنجيل كل منهما قد كانت مشروعة في وقت ولكنهم تجاحدوا فيما بينهم عنادا وكفرا ومقابلة للفاسد وبالفاسد كما تقدم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في الرواية الأولى عنه في تفسيرها والله أعلم وقوله ( كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم ) بين بهذا جهل اليهود والنصارى فيما تقابلوا به من القول وهذا من باب الإيماء والإشارة وقد اختلف فيمن عنى بقوله تعالى ( الذين لا يعلمون ) فقال الربيع بن أنس وقتادة ( كذلك قال الذين لا يعلمون ) قالا وقالت النصارى مثل قول اليهود وقيلهم وقال ابن جريج قلت لعطاء من هؤلاء الذين لا يعلمون قال أمم كانت قبل اليهود والنصارى وقبل التوراة والإنجيل وقال السدى كذلك ( قال الذين لا يعلمون ) فهم العرب قالوا ليس محمد على شيء واختار أبو جعفر بن جرير أنها عامة تصليح للجميع وليس ثم دليل قاطع يعين واحدا من هذه الأقوال والحمل على الجميع أولى والله أعلم وقوله تعالى ( فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ) أى أنه تعالى يجمع بينهم يوم المعاد ويفصل بينهم بقضائه العدل الذى لا يجور فيه ولا يظلم مثقال ذرة وهذه الآية كقوله تعالى فى سورة الحج ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد ) وكما قال تعالى ( قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم )


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000