الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الأول - صفحة 125-596 الجزء

الصفحة التالية

معناه إلى ما تقدم من عدم طهارة قلوبهم وأنها بعيدة من الخير قول آخر قال الضحاك عن ابن عباس ( وقالوا قلوبنا غلف ) قال يقولون قلوبنا غلف مملوءة لا تحتاج إلى علم محمد ولا غيره وقال عطية العوفي عن ابن عباس ( وقالوا قلوبنا غلف ) أي أوعية للعلم وعلى هذا المعنى جاءت قراءة بعض الأنصار فيها حكاه ابن جرير وقالوا قلوبنا غلف بضم اللام نقلها الزمخشري أي جمع غلاف أي أوعية بمعنى أنهم ادعوا أن قلوبهم مملوة بعلم لا يحتاجون معه إلى علم آخر كما كانوا يفتون بعلم التوراة ولهذا قال تعالى ( بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ) أي ليس الأمر كما ادعوا بل قلوبهم ملعونة مطبوع عليها كما قال في سورة النساء ( وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ) وقد اختلفوا في معنى قوله ( فقليلا ما يؤمنون ) وقوله ( فلا يؤمنون إلا قليلا ) فقال بعضهم فقليل من يؤمن منهم وقيل فقليل إيمانهم بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب ولكنه إيمان لا ينفعهم لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم وقال بعضهم إنما كانوا غير مؤمنين بشيء وإنما قال فقليلا ما يؤمنون وهم بالجميع كافرون كما تقول العرب قلما رأيت مثل هذا قط تريد مارأيت مثل هذا قط وقال الكسائي تقول العرب من زنى بأرض قلما تنبت أي لا تنبت شيئا حكاه ابن جرير رحمه الله والله أعلم

الآيات ( البقره 89 ) 

 يقول تعالى ( ولما جاءهم ) يعني اليهود ( كتاب من عند الله ) وهو القرآن الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ( مصدق لما معهم ) يعني من التوراة وقوله ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) أي وقد كانوا من قبل مجيء هذا الرسول بهذا الكتاب يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم يقولون إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقتلكم معه قتل عاد وإرم كما قال محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمرو عن قتادة الأنصاري عن أشياخ منهم قال فينا والله وفيهم يعني في الأنصار وفي اليهود الذين كانوا جيرانهم نزلت هذه القصة يعني ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ماعرفوا كفروا به ) قالوا كنا قد علوناهم قهرا دهرا في الجاهلية ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب وهم يقولون إن نبيا سيبعث الآن نتبعه قد أظل زمانه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم فلما بعث الله رسوله من قريش واتبعناه كفروا به يقول الله تعالى ( فلما جاءهم ماعرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ) وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) قال يستنصرون يقولون نحن نعين محمدا عليهم وليسوا كذلك بل يكذبون وقال محمد بن إسحاق أخبرني محمد بن أبي محمد أخبرني عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس أن يهود كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه فلما بعثه الله من العرب كفروا به وجحدوا ماكانوا يقولون فيه فقال لهم معاذ بن جبل وبشر بن البراء بن معرور أخو بني سلمة يامعشر يهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك وتخبروننا بأنه مبعوث وتصفونه بصفته فقال سلام بن مشكم أخو بني النضير ماجاءنا بشيء نعرفه وماهو بالذي كنا نذكر لكم فأنزل الله في ذلك من قولهم ( ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم ) الآية وقال العوفي عن ابن عباس ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا ) يقول يستنصرون بخروج محمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب يعني بذلك أهل الكتاب فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم ورأوه من غيرهم كفروا به وحسدوه وقال أبو العالية كانت اليهود تستنصر بمحمد صلى الله عليه وسلم على مشركي العرب يقولون اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوبا عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ورأوا أنه من غيرهم كفروا به حسدا للعرب وهم يعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الله تعالى ( فلما جاءهم ماعرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين ) وقال قتادة ( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000