الصفحة السابقة

تفسير ابن كثير - الجزء الأول - صفحة 123-596 الجزء

الصفحة التالية

إلا خزي في الحياة الدنيا ) أي بسبب مخالفتهم شرع الله وأمره ( ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب ) جزاء على مخالفتهم كتاب الله الذي بأيديهم ( وما الله بغافل عما تعملون أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ) أي استحبوها على الآخرة واختاروها ( فلا يخفف عنهم العذاب ) أي لا يفتر عنهم ساعة واحدة ( ولا هم ينصرون ) أي وليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي ولا يجيرهم منه

الآيات ( البقره 87 ) 

 ينعت تبارك وتعالى بني إسرائيل بالعتو والعناد والمخالفة والإستكبار على الأنبياء وأنهم انما يتبعون أهواءهم فذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب وهو التوراة فحرفوها وبدلوها وخالفوا أوامرها وأولوها وأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين يحكمون بشريعته كما قال تعالى ( انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ) الآية ولهذا قال تعالى ( وقفينا من بعده بالرسل ) قال السدي عن أبي مالك أتبعنا وقال غيره أردفنا والكل قريب كما قال تعالى ( ثم أرسلنا رسلنا تترى ) حتى ختم أنبياء بني إسرائيل بعيسى بن مريم فجاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام ولهذا أعطاه الله من البينات وهي المعجزات قال ابن عباس من إحياء الموتى وخلقه من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فتكون طيرا بإذن الله وبراء الأسقام واخباره بالغيوب وتأييده بروح القدس وهو جبريل عليه السلام ما يدلهم على صدقه فيما جاءهم به فاشتد تكذيب بني إسرائيل له وحسدهم وعنادهم لمخالفة التوراة في البعض كما قال تعالى اخبارا عن عيسى ( ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم ) الآية فكانت بنوا إسرائيل تعامل الأنبياء أسوأ المعاملة ففريقا يكذبونه وفريقا يقتلونه وماذاك إلا لأنهم يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم وبالإلزام بأحكام التوراة التي قد تصرفوا في مخالفتها فلهذا كان ذلك يشق عليهم فكذبوهم وربما قتلوا بعضهم ولهذا قال تعالى ( أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ) والدليل على أن روح القدس هو جبريل كما نص عليه ابن مسعود في تفسير هذه الآية وتابعه على ذلك ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي وإسماعيل بن أبي خالد والسدي والربيع بن أنس وعطية العوفي وقتادة مع قوله تعالى ( نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين ) ما قال البخاري ( تحفة 16351 ) وقال ابن أبي الزناد عن أبيه عن عروة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع لحسان بن ثابت منبرا في المسجد فكان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك وهذا من البخاري تعليق وقد رواه أبو داود في سننه ( 5015 ) عن لوين والترمذي ( 2846 ) عن علي بن حجر وإسماعيل بن موسى الفزاري ثلاثتهم عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه وهشام بن عروة كلاهما عن عروة عن عائشة به وقال الترمذي حسن صحيح وهو حديث أبي الزناد وفي الصحيحين ( خ 3212 م 2485 ) من حديث سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن عمر بن الخطاب مر بحسان وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه فقال قد كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك ثم التفت إلى أبي هريرة أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أجب عني اللهم أيده بروح القدس فقال اللهم نعم وفي بعض الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان أهجهم أو هاجهم وجبريل معك وفي شعر حسان قوله

  وجبريل رسول الله فينا وروح القدس ليس به خفاء 

 وقال محمد بن إسحاق حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي عن شهر بن حوشب الأشعري أن نفرا من اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا اخبرنا عن الروح فقال أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل هل تعلمون


[الصفحة السابقة] , [الصفحة التالية] , [أول الصفحة] , [إذهب إلى صفحة] , [بحث عن كلمة] , [الفهرس]

© جميع الحقوق محفوظة لـ العلم نورNooor.com 2000