الحدود
بين الفرد والمجتمع متداخلة متشابكة، وليس من
المستطاع بسهولة أن يقال: هذا أمر يؤثر في الفرد،
وهذا أمر يؤثر في المجتمع، فما المجتمع في واقع
أمره إلا أفراد ربطت بينهم روابط مشتركة ... وكل جهد
يبذل لتكوين الفرد الصالح، هو عمل أصيل لتكوين
المجتمع الصالح.
ومثل المجتمع البشري كمثل البنيان المرصوص، ومثل
الأفراد فيه كمثل اللبنات للبنيان، فإذا كانت
اللبنات قوية متينة، وكانت المادة التي تربط
بينهما قوية الربط وإحكام الالتحام والتماسك
بينها. قام منها بناء قوي مكين. فالعمل الأول في
البناء يجب أن يتجه إلى اللبنات وإعدادها.
وإذا نظرنا إلى ما تقدم -من أثر الإيمان في حياة
الفرد- نجد أن الفرد الذي يتمتع بسكينة النفس، وأمن
الروح، ويتذوق نعمة الرضا ويستروح نسمات الأمل،
ويحيا في ظلال الحب الفسيح، ويحس بالقوة، ويشعر
بالكرامة، إنما هو إنسان اجتماعي راق، ولبنة صالحة
لأن يقوم عليها بناء اجتماعي سليم.
والمجتمع الذي تشيع بين أفراده السكينة والأمن،
والرضا والأمل، والحب والشعور بالكرامة، مجتمع يشق
طريقه إلى السعادة والرقي والاستقرار.
ألا وأن أخص ما يميز المجتمع الراقي، المجتمع
الفاضل، المجتمع السعيد هو التماسك والترابط.
المجتمع الفاضل هو الذي يتعارف أبناؤه فلا
يتناكرون. ويتحابون فلا يتباغضون، ويتعاونون فلا
يتخاذلون. ويتعاملون فيما بينهم بالعدل والرحمة،
فلا يبغي بعضهم على بعض، ولا يقسو بعضهم على بعض،
فلا ينسى الواجد المحروم، ولا يهمل القادر العاجز،
ولا يأكل الكبير الصغير كالسمك، ولا يعدو القوي على
الضعيف كسكان الغابة.
وشر ما يعيب المجتمع هو التفكك وضعف الروابط بين
أبنائه، وذلك بغلبة الأنانية على أنفسهم، فيذكر
المرء نفسه وينسى أخاه، ويقول كل واحد: نفسي نفسي،
ولا يبالي أن يجعل من الناس قرابين تقدم لإله
أطماعه وشهواته.
شر ما يصيب المجتمع: أن يقول كل فرد فيه: لي، ولا
يقول: على ... أن تتضخم "أنا"، في نفسه على حساب
غيره. فينظر إلى نفسه نظرة استعلاء واستكبار، وإلى
الناس نظرة الازدراء والاحتقار.
ومثل ذلك في الشر أن يفقد الإنسان إحساسه بذاته،
وشعوره بكرامته، وبما وهبه الله من قوة، وما آتاه
من نعمة، وحينئذ تموت في نفسه الحوافز الكريمة،
والبواعث الطيبة، ولا ينمو في جوانحه إلا الشعور
بالضعف والهوان والضياع والفراغ، وهي مشاعر قتالة
للفرد، وبالتالي هدامة لصرح المجتمع.
وإذن فلابد من حد وسط يقف عنده الفرد، يحس بذاته
وكرامته إحساساً لا ينال من ذات غيره وكرامته وحقه
باعتباره إنساناً ... وبذلك يعمل أبناء المجتمع
معاً، ويسيرون إلى الهدف المشترك جنباً إلى جنب،
متعاونين على البر والتقوى، متواصين بالحق والصبر.
والمجتمع في حاجة إلى ضوابط تحكم علاقاته
ومعاملاته بعضه لبعض، فلا تطغى الغريزة على العقل،
ولا القوة على الحق، ولا الهوى على الواجب، ولا
المنفعة الخاصة على المصلحة العامة، وهذه الضوابط
لا تؤدي مهمتها، إن لم تكن ضوابط أخلاقية، مبعثها
النفس، ومصدرها الضمير.
ولهذا كان كل بناء أو إصلاح أو تغيير اجتماعي لا
يقوم على إصلاح الأنفس وإيقاظ الضمائر، وتربية
الأخلاق، أشبه ببناء على كثبان من الرمال (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما
بأنفسهم) (الرعد: 11).
وسنرى فيما يلي أثر الإيمان الحي في المجتمع
المؤمن، وكيف يسمو به إلى مستوى من الرقي الإنساني،
تندق دونه أعناق الماديين.