الفصل
الرابع
الرضا


ا لفرح
والروح في الرضا واليقين
"إن الله عز وجل
بقسطه جعل الفرح والروح في الرضا واليقين، وجعل
الغم والحزن في السخط والشك" (حديث شريف).
في هذا الحديث الشريف كشف عن حقيقة نفسية باهرة،
فكما أن سنة الله قد ربطت الشبع والري بالطعام
والشراب في عالم المادة، فإن سنته تعالى في عالم
النفس والروح قد ربطت الفرح والروح -وبعبارة أخرى
السرور وراحة النفس- بالرضا واليقين، فبرضا
الإنسان عن نفسه وربه يطمئن إلى يومه وحاضره،
وبيقينه بالله والآخرة والجزاء، يطمئن إلى غده
ومستقبله. ومن غير المؤمن في رضاه عن يومه، ويقينه
بغده؟ كما ربطت سنة الله الغم والحزن بالسخط والشك.
فالساخطون والشاكون لا يذوقون للسرور طعماً. إن
حياتهم كلها سواد ممتد، وظلام متصل، وليل حالك لا
يعقبه نهار ولا يرتقب له فجر صادق. وقد ربط الحديث
النبوي الكريم بين السخط والشك وهما متلازمان، فلا
سخط من غير شك، ولا شك من غير سخط. قال ابن القيم: قل
إن يسلم الساخط من شك يداخل قلبه ويتغلغل فيه، وإن
كان لا يشعر به، فلو فتش نفسه غاية التفتيش، لوجد
يقينه معلوماً مدخولاً. فإن الرضا واليقين أخوان
مصطحبان، والشك والسخط قرينان.
الساخط إنسان دائم الحزن، دائم الكآبة. ضيق الصدر،
ضيق الحياة، ضيق بالناس، ضيق بنفسه، ضيق بكل شيء،
كأن الدنيا -على سعتها- في عينيه سم الخياط.
إن المؤمن قد تصيبه الكآبة، وقد يعتريه الحزن،
ولهذا قال الله لرسوله (ولا تحزن عليهم)
(النمل: 70) (ولا يحزنك
قولهم) (يونس: 65) ولكن حزن
المؤمن لغيره أكثر من حزنه لنفسه، وإذا حزن لنفسه
فلآخرته قبل دنياه. وإذا حزن لدنياه فهو حزن عارض
موقوت كغمام الصيف، سرعان ما ينقشع إذا هبت عليه
ريح الإيمان. حتى النفوس المنقبضة والطبائع
المتشائمة، ينشر الإيمان عليها من ضيائه وإشراقه،
فيبدد كثيراً من ظلامها ويخفف كثيراً من انقباضها
ويطارد أسباب السخط والتشاؤم من وجودها.
أما المرتاب في الله والآخرة، فهو يعيش في مأتم
مستمر، ومناحة دائمة. لأنه يعيش في سخط دائم، وغضب
مستمر. ساخط على الناس، ساخط على نفسه، ساخط على
الدنيا، ساخط على كل شيء. وقديما قالوا: من غضب على
الدهر طال غضبه. ولهذا هو في مأتم مستمر، يبكي
دائماً حظه وينعي نفسه، وينوح على دنياه، ويولول
على وجوده. كما وصف بعض المرتابين نفسه فقال: أنه
حزين بعاطفته وتفكيره وسلوكه .. حزين بأعصابه
وأعصاب الكون والآلهة والناس والأشياء! .. لا يعرف
لماذا هو، لهذا هو حزين، لا يعرف لماذا هو حزين، كما
لا يعرف لماذا هو!!
إن شعور الإنسان بالرضا من أول أسباب السكينة
النفسية التي هي سر السعادة.
وفي الحديث: "من سعادة المرء
استخارته ربه، ورضاه بما قضى، ومن شقاء المرء تركه
الاستخارة وعدم رضاه بعد القضاء" (رواه البزار ومعناه عند أحمد والترمذي).
فكل أمر مقدور يكتنفه أمران: الاستخارة قبل وقوعه،
والرضا بعد وقوعه، والسعيد من جمع بينهما، وذلك هو
المؤمن، والشقي من حرمهما. المؤمن يسأل الله قبل
إقدامه على أمر من الأمور أن يهديه إلى أرشد
الأعمال وأهدى السبل، ومن الأدعية التي علمها لنا
الرسول: "اللهم إن كنت تعلم أن هذا
الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فيسره
لي، وبارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي
في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني، واقدر لي
الخير حيث كان ثم رضني به" (رواه
البخاري وغيره).
والمؤمن وحده هو الذي يغمره الإحساس بالرضا بعد كل
قدر من أقدار الله.
المؤمن هو الذي يحس تلك الحالة النفسية التي تجعله
مستريح الفؤاد، منشرح الصدر، غير متبرم ولا ضجر،
ولا ساخط على نفسه، وعلى الكون والحياة والأحياء.
ومنشأ ذلك رضاه عن وجوده الخاص في نفسه، وعن الوجود
العام من حوله، ومبعث هذا وذاك رضاه عن مصدر الوجود
كله، وينبوع هذا الرضا هو الإيمان بالله رب
العالمين.
الرضا نعمة روحية جزيلة، هيهات أن يصل إليها جاحد
بالله، أو شاك فيه، أو مرتاب في جزاء الآخرة، إنما
يصل إليها من قوي إيمانه بالله وحسن اتصاله به. وقد
خاطب الله رسوله عليه السلام بقوله: (فاصبر
على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل
غروبها، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك
ترضى) (طه: 130) وامتن عليه بقوله: (ولسوف يعطيك ربك فترضى) (الضحى:
5).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ذاق
طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً،
وبمحمد رسولاً" (رواه أحمد ومسلم
والترمذي).
وأثنى الله تعالى على المؤمنين بقوله: (رضي
الله عنهم ورضوا عنه) (البينة: 8)
إلى
الفهرس

المؤمن راض عن نفسه وعن
ربه
المؤمن
راض عن نفسه، أعني عن وجوده ومكانه ذي الكون، لأنه
يعلم أنه ليس ذرة ضائعة، ولا كما مهملاً، ولا شيئاً
تافهاً، بل هو قبس من نور الله، ونفخة من روح الله،
وخليفة في أرض الله.
وهو راض عن ربه، لأنه آمن بكماله وجماله، وأيقن
بعدله ورحمته، واطمأن إلى علمه وحكمته، أحاط
سبحانه بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً، ووسع كل
شيء رحمة، لم يخلق شيئاً لهواً، ولم يترك شيئاً
سدى، له الملك، وله الحمد، نعمه عليه لا تعد، وفضله
عليه لا يحد، فما به من نعمة فمن الله، وما أصابه من
حسنة فمن الله، وما أصابه من سيئة فمن نفسه، يردد
دائماً هذا الثناء الذي ردده من قبل أبونا إبراهيم
خليل الرحمن: (الذي خلقني فهو يهدين *
والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين *
والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي
خطيئتي يوم الدين) (الشعراء: 78 - 82).
المؤمن موقن تمام اليقين أن تدبير الله له أفضل من
تدبيره لنفسه، ورحمته تعالى به أعظم من رحمة أبويه
به، ينظر في الأنفس والآفاق فيرى آثار بره تعالى
ورحمته، فيناجي ربه: (بيدك الخير، أنك
على كل شيء قدير) (آل عمران: 26) فالخير
بيديه، والشر ليس إليه، وما يظنه الناس شراً في
الوجود، ليس هو شراً في الحقيقة. وإذا كان لابد من
تسميته شراً، فإنما هو شر جزئي خاص مغمور في جانب
الخير الكلي العام، وهذا الشر الجزئي، أو الشر
الموهوم اقتضاه التكافل بين أجزاء الوجود هذا
التكافل الذي يقول فيه الأستاذ العقاد: "إن
المعتقدين به -أي بهذا التكافل- يرون أن الشر لا
يناقض الخير في جوهره، ولكنه جزء متمم له، أو شرط
لازم لتحقيقه، فلا معنى للشجاعة بغير الخطر، ولا
معنى للكرم بغير الحاجة، ولا معنى للصبر بغير
الشدة، ولا معنى لفضيلة من الفضائل بغير نقيصة
تقابلها وترجح عليها، وقد يطرد هذا القول في لذاتنا
المحسوسة كما يطرد في فضائلنا النفسية، ومطالبنا
العقلية: إذ نحن لا نعرف لذة الشبع بغير ألم الجوع،
ولا نستمتع بالري ما لم نشعر قبله بلهفة الظمأ، ولا
يطيب لنا منظر جميل ما لم يكن من طبيعتنا أن يسوءنا
المنظر القبيح" (حقائق الإسلام ص: 8).
إلى
الفهرس

المؤمن راض عن الكون
والحياة
والمؤمن
-نتيجة لهذا- راض عن الحياة والكون من حوله، لأنه
يعتقد أن هذا الكون الفسيح صنع الله الذي أتقن كل
شيء: (الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) (طه: 50)، وكل ذرة في الأرض أو السماء تدل
على حكمة حكيم، وتقدير عزيز عليم، وتدبير ملك عظيم،
ورعاية رب كريم رحيم.
المؤمن -كما قال الإمام الغزالي- (
"الأحياء" ربع المنجيات - كتاب التوكل ص : 222 ط
الحلبي) يصدق تصديقاً يقينياً لا ضعف فيه ولا
ريب؟ أن الله عز وجل لو خلق الخلق كلهم على عقل
أعقلهم، وعلم أعلمهم، وخلق لهم من العلم ما تحتمله
نفوسهم، وأفاض عليهم من الحكمة ما لا منتهى لوصفها،
ثم زاد مثل عدد جميعهم علماً وحكمة وعقلاً، ثم كشف
لهم عن عواقب الأمور. وأطلعهم على أسرار الملكوت،
وعرفهم دقائق اللطف، وخفايا العقوبات، حتى اطلعوا
به على الخير والشر، والنفع والضر، ثم أمرهم أن
يدبروا الملك والملكوت، بما أعطوا من العلوم
والحكم، لما اقتضى تدبير جميعهم من التعاون
والتظاهر عليه، أن يزاد فيما دبر الله سبحانه، ولا
أن يدفع مرض أو عيب أو نقص أو فقر أو ضر، عمن بلى به،
ولا أن يزال صحة أو كمال أو غنى أو نفع، عمن أنعم
الله به عليه، بل كل ما خلقه الله تعالى من السموات
والأرض -إن رجعوا فيها البصر، وطولوا فيها النظر- ما
رأوا فيها من تفاوت ولا فطور، وكل ما قسم الله تعالى
بين عباده من رزق وأجل، وسرور وحزن، وعجز وقدرة،
وإيمان وكفر، وطاعة ومعصية، فكله عدل محض لا جور
فيه، وحق صرف لا ظلم فيه، بل هو على الترتيب الواجب
الحق على ما ينبغي وكما ينبغي وبالقدر الذي ينبغي،
وليس في الإمكان أصلاً أحسن منه، ولا أتم، ولا
أكمل، ولو كان ادخره -مع القدرة- ولم يتفضل به لكان
بخلاً يناقض الجود، وظلماً يناقض العدل، ولو لم يكن
قادراً لكان عجزاً يناقض الإلهية" أ. هـ.
فما عرفه المؤمن من حكمة الله في خلقه، وأسراره في
كونه، فبها ونعمت. وما خفي عليه وكله إلى عالمه،
وقال في تواضع أولي الألباب: (ربنا ما
خلقت هذا باطلاً سبحانك) (آل عمران:
191).
لهذا نرى المؤمن راضياً عما قدر الله له. وما قضى
الله فيه، ينشد دائماً:
رأيت جمع الكائنات ملاحا |
إذا ما رأيت الله في الكل
فاعلاً |
إلى
الفهرس

المؤمن عميق الإحساس
بنعم الله عليه
إن
مما يسخط الناس على أنفسهم وعلى حياتهم، ويحرمهم
لذة الرضا، أنهم قليلو الإحساس بما يتمتعون به من
نعم غامرة، ربما فقدت قيمتها بالفها، أو بسهولة
الحصول عليها، وهم يقولون دائماً: ينقصنا كذا وكذا،
ونريد كذا وكذا، ولا يقولون: عندنا كذا وكذا.
ولكن المؤمن عميق الإحساس بما لله عليه من فضل
عميم، وإحسان عظيم، ونعم تحيط به عن يمينه وعن
شماله، ومن بين يديه ومن خلفه، ومن فوقه ومن تحته.
إنه يشعر بنعمة الله عليه منذ كان في المهد صبياً،
بل منذ كان في بطن أمه جنيناً، كان صبياً وليداً لا
سن له تقطع، ولا يد له تبطش، ولا قدم له تسعى، فأجرى
الله له عرقين رقيقين في صدر أمه يجريان لبناً
خالصاً، كامل الغذاء، دافئاً في الشتاء، بارداً في
الصيف، وألقى الله محبته في قلب أبويه، فلا يطيب
لهما طعام ولا شراب، ولا يهنأ لهما نوم ولا عيش، حتى
يكفياه ما أهمه ويدفعا عنه كل سوء.
وكان في بطن أمه جنيناً، فجعل الله له قراراً
مكيناً، هيأ له فيه أسباب الغذاء والدفء والتنفس،
وجعل له متكأ عن يمينه،،متكأ عن شماله: (ألم
نخلقكم من ماء مهين * فجعلناه في قرار مكين * إلى قدر
معلوم *فقدرنا فنعم القادرون) (المرسلات:
20 - 23).
المؤمن يشعر بنعمة الله عليه في كل شيء حوله، ويرى
في كل ذرة في الأرض أو في السماء منحة من الله له،
تيسر له معيشته، وتعينه على القيام برسالته في
الحياة. إنه يرى نعمة الله في هبة الريح، وسير
السحاب، وتفجر الأنهار، وبزوغ الشمس، وطلوع الفجر،
وضياء النهار، وظلام الليل، وتسخير الدواب، وإنبات
النبات.
ولنقرأ في مثل هذا قول الله تعالى: (ألم
تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض
وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) (لقمان:
20) (الله الذي سخر لكم البحر لتجري
الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون *
وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، إن
في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) (الجاثية:
12،13) (وآية لهم الأرض الميتة
أحييناها وأخرجنا منها حباً فمنه يأكلون * وجعلنا
فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون *
ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم، أفلا يشكرون *
سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن
أنفسهم ومما لا يعلمون) (يس: 33 - 36) (أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا
أنعاماً فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها
ركوبهم ومنها يأكلون * ولهم فيها منافع ومشارب،
أفلا يشكرون) (يس: 71 - 73) (وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنوم
سباتاً وجعل النهار نشوراً * وهو الذي أرسل الرياح
بشراً بين يدي رحمته، وأنزلنا من السماء ماء طهوراً
* لنحيي به بلدة ميتاً ونسقيه مما خلقنا أنعاماً
وأناسي كثيراً) (الفرقان: 47 - 49) (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً
إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء،
أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار
سرمداً إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم
بليل تسكنون فيه، أفلا تبصرون * ومن رحمته جعل لكم
الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله
ولعلكم تشكرون) (القصص: 71 - 73)، (والأنعام خلقها، لكم فيها دفء ومنافع
ومنها تأكلون * ولكم فيها جمال حين تريحون وحين
تسرحون * وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه
إلا بشق الأنفس، إن ربكم لرؤوف رحيم * والخيل
والبغال والحمير لتركبوها وزينة، ويخلق ما لا
تعلمون * وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر، ولو شاء
لهداكم أجمعين * هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه
شراب ومنه شجر فيه تسيمون * ينبت لكم به الزرع
والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات، إن في
ذلك لآية لقوم يتفكرون * وسخر لكم الليل والنهار
والشمس والقمر، والنجوم مسخرات بأمره، إن في ذلك
لآيات لقوم يعقلون * وما ذرأ لكم في الأرض مختلفاً
ألوانه، إن في ذلك لآية لقوم يذكرون * وهو الذي سخر
البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية
تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله
ولعلكم تشكرون * وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم
وأنهاراً وسبلاً لعلكم تهتدون * وعلامات، وبالنجم
هم يهتدون * أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون * وإن
تعدوا نعمة الله لا تحصوها، إن الله لغفور رحيم)
(النحل: 5 - 18).
وهكذا يرى المؤمن -بتوجيه كتاب الله له- آثار رحمة
الله ونعمته في كل شيء حوله، أما نعمة الله عليه في
شخصه هو فما أعظمها وما أغزرها!
فأولها: نعمة الخلق، ولولا مشيئته
وفضله لبقي في ظلمة العدم، ولم يكن شيئاً مذكوراً: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن
شيئاً مذكوراً * إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج
نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً) (الإنسان:
1، 2).
وثانيها: نعمة الإنسانية: فقد شاء
الله أن يخلقه بشراً سوياً، ويستخلفه في الأرض،
ويفضله على كثير من خلقه: (ولقد كرمنا
بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من
الطيبات، وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً)
(الإسراء: 70) ويتبع ذلك حسن الصورة
الحسية المعنوية: (لقد خلقنا الإنسان
في أحسن تقويم) (التين: 4) (وصوركم فأحسن صوركم) (التغابن:
3).
وثالثها: نعمة الإدراك والعلم. (اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم
الإنسان ما لم يعلم) (العلق: 3 - 5).
(والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا
تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة
لعلكم تشكرون) (النحل: 78). وهذه
الثلاثة هي أدوات العلم ومداركه.
ورابعها: نعمة البيان المنطقي
والخطي: (الرحمن * علم القرآن * خلق
الإنسان * علمه البيان) (الرحمن: 1 - 4)
(الذي علم بالقلم) (العلق:
4) (ن، والقلم وما يسطرون) (القلم: 1).
وخامسها: نعمة الرزق: (يا
أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم، هل من خالق غير
الله يرزقكم من السماء والأرض) (فاطر:
3) (قل من يرزقكم من السموات والأرض،
قل الله) (سبأ: 24).
وسادسها: -وهذا خاص بالمؤمن- هو
نعمة الإيمان والهداية إلى صراط الله المستقيم. ( ... ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في
قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان، أولئك
هم الراشدون * فضلا من الله ونعمة) (الحجرات:
7، 8) (يمنون عليك إن أسلموا، قل لا
تمنوا علي إسلامكم، بل الله يمن عليكم أن هداكم
للإيمان إن كنتم صادقين) (الحجرات:
17).
وسابعها: نعمة الأخوة والمحبة: (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء
فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً) (آل عمران: 103)، (وألف بين
قلوبهم، لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين
قلوبهم ولكن الله ألف بينهم، إنه عزيز حكيم) (الأنفال: 63).
ولقد كان محمد رسول الله أشد الناس إحساساً بنعمة
الله وفضله في كل شئونه، ولذا تراه إذا تناول طعامه
-وإن كان من خشن الخبز وجاف الشعير- يتناوله تناول
الراضي الشاكر، ويقول في ختام الطعام: "الحمد
لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين" وإذا
شرب الماء القراح قال: "الحمد لله
الذي جعله عذباً فراتاً برحمته، ولم يجعله ملحاً
أجاجاً بذنوبنا".
وإذا اكتسى ثوبا أو عمامة أو نحو ذلك قال: "الحمد لله الذي كساني هذا ورزقنيه من
غير حول مني ولا قوة، اللهم إني أسألك من خيره وخير
ما هو له".
وإذا ركب دابة قال ما علمه الله إياه: (سبحان
الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين * وإنا إلى ربنا
لمنقلبون) (الزخرف: 13، 14).
وإذا استيقظ من نومه قال "الحمد لله
الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور".
وإذا قضى ضرورته البشرية وخرج من الخلاء قال: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى
وعافاني".
وإذا رأى مبتلى في جسمه أو حواسه قال: "الحمد
لله الذي عافانا مما ابتلى به كثيراً من خلقه".
وإذا تم له أمر على ما كان يبغي ويريد قال: "الحمد لله الذي بنعمته تتم
الصالحات".
وإذا خاب له رجاء أو حدث له ما يكره بطبيعته البشرية
قال: "الحمد لله على كل حال".
وإذا استقبل وجه الصباح قال: "اللهم
إني أصبحت منك في نعمة وعافية وستر، فأتم علي نعمتك
وعافيتك وسترك في الدنيا والآخرة، اللهم ما أصبح بي
من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك .. فلك
الحمد ولك الشكر".
وإذا أظله المساء قال مثل ما قال في الصباح.
فهذا هو شعور المؤمن دائماً، شعور الذاكر لنعمة
الله، الشاكر لفضل الله (وما بكم من
نعمة فمن الله) (النحل: 53) (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) (إبراهيم: 34).
ولا عجب أن كانت أول آية في كتاب الله الخالد -بعد
البسملة- آية تشعر المؤمنين أبداً بنعمة الله
وإحسانه وتوجههم إلى حمده وشكره، تلك هي آية فاتحة
الكتاب (الحمد لله رب العالمين) (الفاتحة: 1)، ولا غرو أن جعل الإسلام
تلاوتها فريضة يومية يكررها المسلم كل يوم ما لا
يقل عن سبع عشرة مرة في صلواته الخمس.
إلى
الفهرس

المؤمن راض بما قدر
الله عليه
والمؤمن
كما يغمره الشعور بنعمة الله عليه في كل حين وفي كل
حال، لا يفقد هذا الشعور وإن أصابته البأساء
والضراء، وهزته زلازل الحياة.
إنه راض بما قضى الله له، وما قدر عليه، إيماناً بأن
الله تعالى لا يفعل شيئاً عبثاً، ولا يقضي أمراً
يريد به عسراً لعباده، وأنه -سبحانه- أرحم بهم من
الوالدة بولدها، وأن الخير المطوي في جوف ما نظنه
كارثة وشراً، وما نكرهه بطبيعتنا البشرية (فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه
خيراً كثيراً) (النساء: 19).
ولقد لمس كثير ممن خالط المسلمين من الغربيين أثر
هذا الجانب الاعتقادي -جانب الرضا بالقضاء- في نفس
المسلم، واستقباله لكوارث الحياة وآلامها، بنفس لا
تتضعضع، وقلب لا يتحطم.
من ذلك ما كتبه «ف. س. بودلي» تحت عنوان "عشت في
جنة الله" قال: "في عام 1918أوليت ظهري للعالم
الذي عرفته طيلة حياتي، ويممت شطر إفريقية
الشمالية الغربية، حيث عشت بين الأعراب في
الصحراء، وقضيت هناك سبعة أعوام، أتقنت خلالها لغة
البدو، وكنت أرتدي زيهم، وآكل من طعامهم، وأتخذ
مظاهرهم في الحياة، وغدوت مثلهم أمتلك أغناماً،
وأنام كما ينامون في الخيام، وقد تعمقت في دراسة
الإسلام حتى أنني، ألفت كتاباً عن محمد صلى الله
عليه وسلم عنوانه "الرسول" وقد كانت تلك
الأعوام التي قضيتها مع هؤلاء البدو الرحل من أمتع
سني حياتي وأحفلها بالسلام والاطمئنان والرضى
بالحياة.
وقد تعلمت من عرب الصحراء التغلب على القلق، فهم
-بوصفهم مسلمين- يؤمنون بالقضاء والقدر، وقد ساعدهم
هذا الإيمان على العيش في أمان، وأخذ الحياة مأخذا
سهلاً هيناً.
فهم لا يلقون أنفسهم بين براثن الهم والقلق على
أمر، إنهم يؤمنون بأن ما قدر يكون، وأنه لا يصيب
الفرد منهم إلا ما كتب الله له، وليس معنى ذلك أنهم
يتواكلون، أو يقفون في وجه الكارثة مكتوفي الأيدي،
كلا، ودعني أضرب مثلاً لما أعنيه:
هبة ذات يوم عاصفة عاتية، حملت رمال الصحراء، وعبرت
بها البحر الأبيض المتوسط، ورمت بها وادي الرون في
فرنسا، وكانت العاصفة حارة شديدة الحرارة، حتى
أحسست كأن شعر رأس ينتزع من منابته، لفرط وطأة
الحر، وأحسست من فرط القيظ كأنني مدفوع إلى الجنون،
ولكن العرب لم يشكوا إطلاقا، فقد هزوا أكتافهم،
وقالوا كلمتهم المأثورة: (قضاء مكتوب). ولكنهم ما إن
مرت العاصفة حتى اندفعوا إلى العمل بنشاط كبير،
فذبحوا صغار الخراف قبل إن يودي القيظ بحياتها، ثم
ساقوا الماشية إلى الجنوب نحو الماء، فعلوا هذا كله
في صمت وهدوء دون إن تبدو من أحدهم شكوى ... قال رئيس
القبيلة: "لم نفقد الشيء الكثير، فقد كنا خلقاء
بأن نفقد كلشيء، ولكن حمداً لله وشكراً، فإن لدينا
نحو أربعين في المائة من ماشيتنا، وفي استطاعتنا إن
نبدأ بها عملنا من جديد".
إلى
الفهرس

|