فهرس الكتاب الصفحة الرئيسية
 

أثر الإيمان في حياة الفرد

هل نستطيع أن نحدد أهم ما يريده الفرد لنفسه، وما ينشده في حياته؟ وما الذي تتطلع إليه نفسه، ويسعى جاهداً لتحقيقه من الأهداف الكبيرة والغايات البعيدة؟
نعم نستطيع، أن نحدد ذلك إذا نظرنا إلى أنفسنا ونظرنا إلى البشر من حولنا، واستقرأنا أحوال البشر في تاريخهم القريب والبعيد..
نستطيع أن نحدد ذلك إذا عرفنا أن مقصودنا من الفرد هو الإنسان السوي لا الشاذ، الإنسان السليم لا المختل المشوه المشوش.
إن الفرد يريد أن يشعر بإنسانيته، ويحيا بخصائصها. يريد أن يحس بكرامته وذاتيته، وأن له وزناً وقيمة في هذا الوجود، يريد أن يشعر أن لوجوده غاية. ولحياته رسالة، وأنه شيء مذكور بين،أشياء هذا الكون العديدة. وأنه مخلوق متميز عن القرود والدواب والحشرات، وأنه لم يخلق في هذه الأرض عبثاً، ولا أُعطي العقل وعُلم البيان اعتباطاً.
الفرد ينشد الكرامة، وينشد معها القوة .. القوة تجاه الطبيعة، وتجاه الأحداث، القوة أمام طغيان الغير، وأمام شهوات النفس، على حد سواء. القوة على تحقيق الغايات وأداء الواجبات، القوة التي تعوض الفرد عن ضعفه الجسدي، وعجزه الخلقي وقصوره الذاتي، إزاء الأقدار، وإزاء الموت، وإزاء المجتمع بقواه الكبيرة المتنوعة.
وهو -مع هذا- ينشد شيئا آخر. يلهث الناس جميعاً في البحث عنه: إنه ينشد السعادة، ينشدها في هذه الحياة لا في الحياة الأخرى فحسب .. لا يريد أن يقضي أيامه المقدرة له في هذه الدنيا شقياً تعيساً. يريد أن يعيش حياته ناعماً بسكينة النفس، وطمأنينة القلب. يريد أن يتمتع بالأمن الداخلي يغمر جوانحه، وبالرضا الذاتي يملأ عليه أقطار روحه، وبالأمل المشرق يضيء له آفاق حياته، وبالحب الكبير يغمر بالنور والضياء كل حناياه، وكل جوانب دنياه.
هذه هي أهم وأعظم ما ينشده "الإنسان" السوي لنفسه ولكل من يحب من أهله ومن الناس.
أما الشواذ الذين يريدون أن يعيشوا ليأكلوا ويتمتعوا كما تتمتع الأنعام، ثم ينفقوا (نفقت الدابة: هلكت) أخيراً كما تنفق الأنعام أيضاً.
وأما الذين يريدون أن يعيشوا كالذئاب والسباع، تعدو وتسطو وتتسلط على غيرها بمنطق الناب والمخلب وتجد لذة في هذا السطو والعدوان.
أما هؤلاء وأولئك وأمثالهم، فليسوا مقياساً لكل البشر .. ومع هذا لا يبعد أن يفيق أحدهم أو يصحو .. ليفتش عن نفسه: أين هي؟ وعن ذاته: ما هو؟ ويبحث -مع البشر الأسوياء- عن الكرامة والقوة، عن السعادة والسكينة، عن المعاني الإنسانية الرفيعة، التي بدونها لا يجد الإنسان ذاته، ولا يتذوق لحياته طعماً، ولا يشعر لوجوده بمعنى أو قيمة.
فهل للإيمان أثر في تحقيق هذه المعاني الكبيرة، والأهداف العميقة، في حياة الفرد؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في الفصول التالية من هذا الكتاب إن شاء الله.

إلى فهرس الكتاب